ابن خلدون اول من ذكر مصر في كتبة ب(أم الدنيا)

ابن خلدون ..الرائد الأول لعلم الإجتماع العمرانى .
صاحب أشهر دراسة عن علم الإجتماع .


...فانتقلت إلى القاهرة أول ذى القعدة 784، فرأيت حضرة الدنيا،وبستان العلم، ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام ،وكرسى الملك، تلوح القصور والأواوين فى جوه، وتزهر الخوانك والمدارس بآفاقه ؛ وتضىء البدور والكواكب من علمائه؛ قد مثل بشاطىء بحر النيل نهر الجنة ،ومدفع مياه السماء ،يسقيهم النهل والعلل سيحه؛ وبجبى إليهم الثمرات والخيرات ثجه0 ومررت فى سكك المدينة تغص بزحام المارة ،وأسواقها تزخر بالنعم، وما زلنا نحدث عن هذا البلد، وبعد مداه فى العمران ،واتساع الأحوال 0ولقد اختلفت عبارات من لقيناه من شيوخنا وأصحابنا، حاجهم وتاجرهم بالحديث عنه0سألت صاحبنا قاضى الجماعة بفاس، وكبير العلماء بالمغرب؛ أبا عبدالله المقرى_ مقدمه من الحج سنة أربعين _ فقلت له: كيف هذه القاهرة? فقال :من لم يرها لم يعرف عز الإسلام 0وسألت شيخنا أبا العباس بن إدريس كبير العلماء ببجايه مثل ذلك قال : كأنما انطلق أهله من الحساب ، يشير إلى كثرة أممه وأمنهم العواقب 0حضر صاحبنا قاضى العسكر بفاس، الفقيه الكاتب أبو القاسم البرجى بمجلس السلطان أبى عنان_ منصرفه من السفارة عنه إلى ملوك مصر، وتأدية رسالته النبوية إلى الضريح الكريم، سنة ستة وخمسين، وسأله عن القاهرة فقال : أقول فى العبارة على سبيل الاختصار : أن الذى يتخيله الإنسان فإنما يراه دون الصورة التى يتخيلها ، لا تساع الخيال عن كل محسوس، إلا القاهرة ، فإنها أوسع من كل ما يتخيل فيها فأعجب ا لسلطان والحاضرون بذلك

ولا أوفر اليوم في الحضارة من مصر فهي أم العالم، وإيوان الإسلام، وينبوع العلم والصنائع.

وصف مصر لابن بطوطة

حين تتسع دائرة الحس، ويبلغ الانبهار مداه، يلوذ الخطاب بشعرية اليد الأولى (يد أو لسان ابن بطوطة) أو يد ثانية (يد ابن جزي أو غيره من الأدباء) مشهود لها بالبراعة في البيان، لتوسيع دائرة الخيال الذي أضحى أعجز وأضيق من أن يحوي الفضاء. وهذا ما نتبينه مثلا من خلال وصف ابن بطوطة للقاهرة، حيث يقول :ثم وصلت إلى مصر هي أم البلاد، وقرارة فرعون ذي الأوتاد، ذات الأقاليم العريضة، والبلاد الأريضة، المتناهية في كثرة العمارة، المتناهية بالحسن والنضارة،مجمع الوارد والصادر، ومحط رحل الضعيف والقادر. وبها ما شئت من عالم وجاهل وجاد وهازل، وحليم وسفيه، ووضيع ونبيه، وشريف ومشروف، ومنكر ومعروف. تموج موج البحربسكانها، وتكاد تضيق بهم، على سعة مكانها وإمكانها، شبابها يجد على طول العهد، وكوكب تعديلها لا يبرح منزل السعد، قهرت قاهرتها الأمم، وتملكت ملوكها نواصي العرب والعجم، ولها خصوصية النيل التي جل خطرها، وأغناها عن أن يستمد القَطر قُطرها، وأرضها مسيرة شهر لمجد السير، كريمة التربة، مؤنسة لذوي الغربة.

وصف ابن بطوطة لنيل مصر : "ونيل مصر يفضل أنهار الأرض عذوبة مذاق واتساع قطر وعظم منفعة، والمدن والقرى بضفتيه منتظمة ليس في المعمور مثلها ولا يعلم نهر يزدرع عليه ما يزدرع على النيل، وليس في الأرض نهر يسمى بحرا غيره قال الله تعالى : "فإذا خفت عليه فألقيه في اليم"فسماه يَمّاً وهو البحر.

وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصل ليلة الإسراء إلى سدرة المنتهى فإذا في أصلها أربعة أنهار : نهران ظاهران ونهران باطنان فسأل [ ص207 ]عنها جبريل عليه السلام،فقال : أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات.

وفي الحديث أيضا أن النيل والفرات وسيحان وجيحان كل من أنهار الجنة. ومجرى النيل من الجنوب إلى الشمال خلافا لجميع الأنهار. ومن عجائبه أن ابتداء زيادته فيشدة الحر عند نقص الأنهار وجفوفها، وابتداء نقصه حين زيادة الأنهر وفيضها.
بالجملة فمصر أمُّ البلاد شرقا وغربا لا تستغرب شيئا مما يحكى عنها من خير أو شر، ومصداق ذلك ما حدثني به بعض أصحابنا من التجار في سنة أربع وستين، قال : دخلنا مصر في حدود الخمسين سكنْتُ في بعض الوكائل، وكان من قدر الله أن اجتمعنا في محل واحد جماعة، منا فلان وفلان تجار وفلان طالب علم وفلان ممن يميل لطريق الفقر، وفلان من أهل المجون، وذكر كلاّ بأسمائهم قال : فإذا أصبحنا تفرقنا كل يغدو لحاجته، فإذا جن الليل جمعَنا المنزل، فنتحدث بما رأينا، فيقول التاجر ما رأينا مثل هذا البلد في التجارة، فأهلها كلهم تجار، ويحكي من حكاية ما شاهد، ويقول الفقيه مثل ذلك، والفقير مثل ذلك، وذو المجون مثل ذلك. وما ذاك إلا لكثرة أجناس الناس فيها، فمن طلب جنسا وجد منه فوق ما يظن، فيظن أن غالب أهل البلد كذلك. وبالجملة، فأهلها لهم عقول راجحة وذكاء زائد. فمن استعملها في الخير، فاق فيه غيره، ومن استعملها في غيره فكذلك. ذكر ابن خلدون في كتابه "كتاب منتهى العبر" أن بعض ملوك المغرب سأل بعض العلماء ممن حج عن مصر. فقال له : أقول لك فيها قولا وأختصر : من المعلوم أن دائرة الخيال أوسع من دائرة الحسّ: فغالب ما يتخيله الإنسان قبل رؤيته إذا رآه وجده دون ما يتخيل، ومصر بخلاف ذلك، كل ما تخيلتَ فيها، فإذا دخلتها وجدتها أكثر من ذلك.